سميح دغيم
126
موسوعة مصطلحات الإمام فخر الدين الرازي
خالقين ، ولا يمتنع عليهم أن يرزقوا غيرهم ، ولذلك يقال رزق السلطان فلانا كذا إذا ملكه ومكنه من التصرّف فيه ، فثبت أنّ هذه الآية تقتضي نفي خالق غير اللّه ، ولا يمكن حمل الخالق هاهنا على المقدّر ، لما بيّنا أنّ في المقدورين كثرة ، فوجب أن يكون المراد منه الإيجاد والإبداع . الحجّة الرابعة : قوله كَما بَدَأْنا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ ( الأنبياء : 104 ) ولا يليق بلفظ الخلق هاهنا إلّا الإيجاد . الحجّة الخامسة : قوله : هذا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي ما ذا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ ( لقمان : 11 ) ذكر هذا على سبيل الإنكار ، وهذا صريح في أنّ كل من سوى الحق ليس بخالق ، فثبت بهذه الدلائل أنّ الخلق جاء في اللغة بمعنى الإيجاد والإبداع . ( لو ، 214 ، 2 ) - الإيجاد والتكوين ليس هو نفس القدرة ، وذلك لأنّ القادر قد يكون قادرا على أشياء مع أنّه لا يوجدها ، ألا ترى أنّه تعالى قادرا على خلق شموس كثيرة ، وأقمار كثيرة ، مع أنّه تعالى ما خلقها . فهو قادر عليها وغير خالق لها ، فيثبت بهذا : أنّ التكوين صفة مغايرة للقدرة ، ومغايرة للمكوّن وذلك هو المطلوب . ( مطل 3 ، 238 ، 4 ) - أمّا الخلق بمعنى الإحداث والإيجاد . فعندنا : أنّه - سبحانه - منفرد به . وأمّا بمعنى التقدير ، فهو أيضا على ضربين : أحدهما : إحداث الشيء على مقدار مخصوص . والخلق بهذا التفسير يرجع حاصله إلى كيفية مخصوصة في الإحداث . فإذا لم يصحّ الإحداث إلّا من اللّه تعالى ، فكذلك التقدير بهذا التفسير ، وجب أيضا أن لا يصحّ إلّا من اللّه تعالى . والثاني : إنّ حكم الحاكم بأنّ ذلك الشيء وقع على ذلك المقدار يسمّى تقديرا أيضا . يقال : السلطان قدّر لفلان من الرزق كذا ، ومن المملكة كذا . والتقدير بهذا التفسير يصحّ صدوره عن العبد . ( مطل 9 ، 137 ، 13 ) - أمّا القسم الأول ( من الموجودات ) وهو الذي يؤثّر ولا يتأثّر البتّة ، فهو الحق سبحانه وتعالى لأنّه واجب الوجود لذاته ولحقيقة هويّته ، وكلّما كان واجبا لذاته كان واجب الوجود من جميع اعتباراته لأنّ ذاته المخصوصة إن كفت ذلك الإيجاب وذلك السلب ، دام ذلك الإيجاب وذلك السلب لدوام ذاته ، وإن لم تكف فحينئذ يتوقّف حصول ذلك السلب وذلك الإيجاب على اعتبار حال الغير ، وتتوقّف هويّته على حصول ذلك الإيجاب أو ذلك السلب ، والمتوقّف على المتوقّف على الغير متوقّف على الغير ، فحقيقته الموصوفة متوقّفة على ذلك الغير الخارج ، والمتوقّف على الغير ممكن لذاته ، والممكن لذاته لا يوجد إلّا بإيجاد الواجب لذاته ، وللإيجاد تأثير فهو من حيث أنّه مستقلّ بذاته لا يقبل الأثر عن غيره ، كان قائما بنفسه ، ومن حيث أنّه يؤثّر في كل ما سواه ويوجد كل ما يغايره فإنّه مقوّم لغيره ، والقائم بذاته المقوّم لغيره يكون في أعلى درجات القيام بالذات ، واسم ما يكون بهذه الصفة هو صفة القيّوم ، لأنّه مبالغة من القيام فثبت أنه لمّا كان الحق هو سبحانه مؤثّرا لا يتأثّر كان قيّوما محضا . ( نفس ، 13 ، 7 ) إيجاد بالقدرة والاختيار - لمّا كان كل ما سوى اللّه محدثا كان تأثيره